الشيخ محمد رشيد رضا

448

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أكثرهم عبارة عن حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقا ولا تصلح عملا ، وقد اتبع الكثيرون منا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ( 47 : 23 أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ؟ ) بعد ما بين تعالى حال من ضمن قبول توبتهم قال مبينا حال من قطع بأنه ليس لهم توبة مقبولة عنده وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ قال الأستاذ الامام : قال تعالى في الآية السابقة « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ » ولم يقل هنا « وليست التوبة على اللّه » الخ وذلك أنه ليس المراد نفى القطع بقبول توبتهم ، وإنما المراد نفى وقوع التوبة الصحيحة منهم وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم ، ولو نفى كونها مما أوجبه تعالى على نفسه لكان المعنى أنها غير واجبة لهم ولا مقطوع بقبولها منهم ولكنهم قد ينالونها وأقول : إن وجه النفي هو أن هؤلاء الذين نفى ثبوت التوبة لهم ليسوا ممن اقتضت السنن الإلهية في خلق الانسان وتأثير أعماله في صفات نفسه وملكاتها ثم ترتب أعماله على أخلاقه وملكاته - بأن يكونوا ممن يرجع عن السيئات بعد الاستمرار عليها وينخلع عنها ويطهر قلبه ويزكى نفسه من أدرانها فيكون أهلا لرحمة اللّه أن تعطف عليه ومحلا لاستجلاب نعمه فيعود ما نفر منها بالمعاصي إليه ؛ بل مضت سنة اللّه تعالى في أمثالهم أن تحيط بهم خطاياهم وسيئاتهم فلا تدع للطاعات والحسنات مكانا من نفوسهم ، فيصرون عليها إلى أن يحضر أحدهم الموت وييأس من الحياة التي يتمتع فيها بما كان يتمتع فعند ذلك يقول إني تبت وما هو من التائبين ، بل من المدعين الكاذبين ، كما يأتي قريبا قال الأستاذ : وقال هناك « يَعْمَلُونَ السُّوءَ » وههنا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ والجمع ههنا يعم جميع أفراد النوع الواحد من المعاصي التي تكون بالاصرار والتكرار فالمصر على ذنب واحد من الذين يعملون السيئات حتما ، ويعم جميع الأنواع المختلفة منها . وأقول : إن الاصرار على بعض أفراد الذنوب يغرى صاحبه بأفراد أخرى من نوعها أو جنسها ، والشر داعية الشر ، كما أن الخير داعية الخير